اسماعيل بن محمد القونوي
353
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كان نفسه نازلا بالمدينة والمدني بالعكس وهذا أحسن ما قيل هنا وقيل هذا الكلام أكثري لا كلي وهو تكلف فيندفع الإشكال بأن هذه السورة مدنية وفيها يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 20 ] وسورة الحج مكية وفيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ [ البقرة : 104 ] ومن السور ما فيه يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 21 ] و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 104 ] وادعاء تكرير النزول تعسف ولعل لهذا الاضطراب من ذوي الألباب لم يرض المصنف بهذه الرواية أولا ثم أشار إلى أنه إن صح ذلك فمحمول على تأويل مثل ما قرره القرطبي لا أن المراد بالمكي ما هو المشهور في اصطلاحهم وكذا المدني فلا تغفل « 1 » . قوله : ( فإن المأمور به هو المشترك بين بدء العبادة والزيادة فيها ) على العبادة عبادة أيضا فما وجه المقابلة ولعل وجهه أن مفهوم الزيادة داخل في المعنى المستعمل فيه مثلا صلاة اليوم عبادة مع ملاحظة كونها زائدة على صلاة الأمس وإلا فهي صلاة على حالها وكذا الصوم اللاحق والزكاة اللاحقة فإنهما مفهوم الزيادة داخل فيهما فح يكون استعمال العبادة فيها مجازا فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز عند المص وإن لم يعتبر مفهوم الزيادة داخلا فيها فهي حقيقة لما بينا من أنها عبادة على حيالها وهذا الاعتبار هو المناسب للأئمة الحنفية « 2 » ولعل اعتبار المص الزيادة ليحسن التقابل بينه وبين قوله بدء العبادة أي لإنشاء العبادة غير مسبوقة بعبادة أخرى كما في الكفار وأما في المؤمنين فالمطلوب الثبات والزيادة على عبادة تعبد بها قبل هذه العبادة مع أنها عبادة أخرى حسب تكرر أسبابها وقد تقدم في سورة الفاتحة في قوله اهْدِنَا [ الفاتحة : 6 ] مزيد تفصيل لهذا المرام بعون اللّه الملك العلام فإذا تقرر ذلك ظهر أن السؤال بأن توجيه الخطاب إلى المؤمنين العابدين غير صحيح لما فيه من تحصيل الحاصل سخيف جدا وأغرب منه ما قيل في جوابه من أنه المطلوب من المؤمنين ليس إيقاع أصل العبادة في المستقبل بل ازديادها وثباتها إذ قد عرفت أن العبادات تتكرر بتكرر أسبابها فالمطلوب إيقاع العبادات في كل حين بتكرر الأسباب غايتها أنها زائدة على العبادات المتقدمة وقيل وليس شيء من مفهوم الابتداء والزيادة والمواظبة داخلا في مفهوم اعبدوا بل خارج يفهم من القرائن فلا جمع بين الحقيقة والمجاز بل اللفظ مستعمل في القدر المشترك انتهى . ويرده تعرض المصنف
--> ( 1 ) أحدها أن ما نزل قبل الهجرة فمكية وما نزل بعدها فمدنية وثانيها أن ما نزل بمكة فمكية وما نزل بمدينة فمدنية وحينئذ يثبت الواسطة بينهما وثالثها ما هو خطاب لأهل مكة فمكية وما هو خطاب لأهل مدينة فمدني كذا قيل وعدم تمشي الأولين ظاهر الثالث فلأن الحكم أيضا ليس بمختص لأنه يحمل على أنه جل المقصود به أهل مكة في الأول وأهل المدينة في الثاني ط . ط قيل إن للمكي والمدني ثلاثة معان ولا يتمشى واحد منها هنا انتهى وجوابه ما ذكر في أصل الحاشية وقال هشام بن عروة عن أبيه كل سورة فيها قصص الأنبياء عليهم السّلام والأمم الخالية والعذاب فهي مكية وكل سورة فيها فريضة أوحد مدنية انتهى والظاهر أنه مأول وإلا فعدم اطراده ظاهر . ( 2 ) فيه تعريض لمولانا أبي السعود حيث تعرض للزيادة مع أنه من الأئمة الحنفية المنكرين جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز .